❗خاص ❗️sadawilaya❗
نبيل الجمل
أشرقت الأرض بنور ربها، وتزينت الكونيات بأبهى حللها حين أهل على البشرية فجر الهدى، وولد سيد الخلق وأشرف المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين. لقد كانت الأرض تموج في ظلمات الجاهلية، وتعيش الشقاء في أقصى صوره، حتى أتى هذا النور المبعوث رحمة للعالمين، فبدد أوهام الشرك ودحر طغيان الكفر، ليكون السراج المنير الذي يهتدي به حائرو القلوب.
إن الاحتفاء بمولد خاتم النبيين ليس جرما ولا بدعة كما يزعم من أعمى الله بصيرتهم، بل هو امتثال صريح لأمر الله تعالى حين قال في كتابه العزيز: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾، وهل هناك فضل أعظم أو رحمة أوسع من نبي الرحمة المهداة؟ وقد جاء في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه»، فكان صلوات الله عليه يعظم يوم مولده بالعبادة والشكر، وهو الأسوة الحسنة لنا. وكما روي عن أعلام وأئمة أهل بيت النبوة والمعدن الأطهر، أن إحياء ذكرى المولد الشريف هو تجديد العهد بالرسول، وتجديد للولاء لله ولرسوله، وشكر للنعمة العظمى التي لا تقدر بقيمة.
وفي يمن الإيمان والحكمة، يتجسد هذا العشق المنفرد لرسول الله في صورة تبهر العالمين؛ حيث يتقاطر أبناء الشعب اليمني في طوفان بشري يملأ الساحات في كل المحاورات والمحافظات، وتتزين القرى والحارات بعبق المحبة والتعظيم. إنه النموذج الأول والأسمى في إحياء هذه المناسبة العظيمة لعام 1448 هـ، حيث يلتقي صدى التكبير والتهليل مع أبيات أعظم الشعراء الذين خلدوا هذه اللحظات، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأئك غنوا ليومه والدنيا كلها بشرى وسناء
وتتجلى عظم هذه الذكرى في كونها ليست مجرد حدث عابر في طيات التاريخ، بل هي محطة إيمانية صادقة لتجديد العهد مع صاحب الخلق العظيم، والاستنارة بنور هديه في زمن كثرت فيه الفتن وتكالبت فيه قوى الطاغوت والاستكبار. إن التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو جوهر الإيمان، كما قال جل وعلا: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾؛ فالتفاف الأمة حول نبيها وإظهار البهجة بمولده الشريف هو صورة من صور هذا التعزير والتوقير الذي أمر الله به.
ويستمر أبناء اليمن الميامين في سطر أروع الملاحم الروحانية، متواجدين في الميادين كالأمواج المتلاطمة في حضور جماهيري لا نظير له في العالم في كل عام ، ليؤكدوا للكون أجمع أن محبة الرسول الأعظم تجري في دمائهم وتسكن أرواحهم. فترى القرى والمدن تتوشح بالأضواء، وتشدو الألسن بالصلاة والسلام عليه، ليستحضروا قول شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء
إن الطوفان البشري اليمني في كل مناسبة للمولد النبوي الشريف الاستثنائي في يوم 12 ربيع الأول لكل عام هجري. هو الرد العملي والحاسم على كل من يسعى لتجهيل الأمة أو فصلها عن رسولها ومقدساتها. وستبقى هذه الذكرى العطرة منارة للأحرار، وسراجا يبدد الظلام، وشاهدا على أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ماضية على العهد، متمسكة بالحبل المتين، ولن تثنيها المراهنات عن تعظيم شعائر الله.
تتجسد حقيقة هذا الابتهاج الميمون في كونه ثورة على كل المفاهيم المغلوطة والمحاولات الرامية لإفراغ أمتنا من جوهرها وقوتها. إن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت ليكون جزءا من التاريخ الماضي فحسب، بل بعثه الله هاديا وشاهدا ونذيرا لكل زمان ومكان، يستنير بهديه المجاهدون، ويستهدي به الصالحون في جميع ميادين الحياة.
ومن نبع هذه المناسبة العظيمة، يتجدد العزم على مواجهة التحديات، فلا عزة للأمة ولا كرامة لها بعيدا عن سنته وسيرته العطرة. إن الاحتفاء بالمولد النبوي هو استعادة للروح المعنوية والإيمانية، وتأكيد صارم على أن المسيرة الماضية بنور القرآن وهدي النبي الأمي لن تتوقف أبدا أمام أي طغيان أو كبرياء.
وهكذا، تشع الذكرى الشريفة في كل عام كمشكاة فيها مصباح، تنير لنا طريق الفلاح، وتغرس في النفوس الشجاعة والتضحية والفداء. ستبقى الصلاة والسلام على نبي الرحمة وآله الطاهرين هي الشعار الخالد الذي يهتز له الوجدان، وتطمئن به القلوب، ويستقر به الإيمان في أعماق الأرواح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.